الحرب العالمية الثانية: الأسباب، الأحداث، والنتائج ومساهمة المغرب

تعدُّ الحرب العالمية الثانية حدثًا مفصليًا في تاريخ البشرية. تركت تأثيرًا عميقًا على الخريطة الجيوسياسية للعالم. أثرت على كافة الأصعدة: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولعل أهمية هذه الحرب لا تقتصر على كونها مواجهة عسكرية بين قوى عالمية كبرى فحسب. بل تمتد لتشمل التغييرات الجذرية في بنية النظام الدولي. شملت أيضًا رسم حدود الدول. ساهمت في صعود قوى جديدة وانهيار أخرى. علاوة على ذلك، يتجلى البعد الإنساني المأساوي للحرب في حجم الخسائر البشرية الهائل والدمار الواسع الذي لحق بكثير من البلدان. ومن هذا المنطلق، تهدف هذه المقالة إلى توفير نظرة شاملة عن الحرب العالمية الثانية. ستتناول أسبابها وتاريخها ونتائجها. ستسلط الضوء على مساهمة المغرب فيها. وستوضح كيف انعكست على الأوضاع السياسية داخل المغرب. وأيضًا، ستبحث كيف أثرت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية على مسار التاريخ المعاصر.
في السطور القادمة، سنستعرض بشيء من التفصيل الخلفية التاريخية للحرب العالمية الثانية، ونتعرّف على الأسباب المباشرة وغير المباشرة لنشوبها. بالإضافة إلى ذلك، سوف نتوقف عند التوقيت الذي اندلعت فيه الحرب، ونستعرض نتائجها وتأثيرها على الدول المشاركة والدول المستعمرة آنذاك. كما سنسلط الضوء على محاكمة مجرمي الحرب العالمية الثانية، وأين أقيمت، وما هي الأهداف التي رُمت من ورائها. وبعد ذلك، سنتحدث عن مساهمة المغرب في الحرب العالمية الثانية. سنناقش تأثير ذلك على أوضاعه الداخلية سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. سننتقل بعد ذلك إلى فترة ما بعد الحرب، وما أحدثته من تحولات عالمية أسهمت في صياغة عالم جديد.
1. خلفية تاريخية عن الحرب العالمية الثانية
قبل الخوض في تفاصيل الحرب العالمية الثانية، من المفيد التطرّق قليلًا إلى السياق التاريخي الذي سبقها. فقد نشأت جذور الحرب العالمية الثانية بشكل وثيق مع نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1918. وفي الحقيقة، كانت اتفاقية فرساي (1919) عاملًا رئيسيًا في تمهيد الطريق للحرب التالية. هذا بسبب الشروط القاسية التي فُرضت على ألمانيا في أعقاب هزيمتها بالحرب العالمية الأولى. على سبيل المثال، تم إرغام ألمانيا على دفع تعويضات مالية كبيرة. تم تقليص قواتها العسكرية كذلك. هذا الأمر ترك شعورًا عارمًا بالمهانة والإحباط لدى الشعب الألماني. ومهَّد ذلك أرضًا خصبة لصعود حركات قومية متطرفة مثل النازية.
من ناحية أخرى، شهد العالم في فترة ما بين الحربين (1918-1939) كسادًا اقتصاديًا عالميًا حادًا. حدث ذلك بشكل ملحوظ بعد أزمة 1929 المعروفة بالكساد الكبير. ساهم هذا في تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في العديد من الدول الأوروبية. وبشكل خاص، ساعد هذا المناخ المضطرب على صعود أنظمة شمولية في إيطاليا. قاد موسوليني النظام الفاشي هناك. أيضًا في ألمانيا، قاد هتلر النظام النازي. بالإضافة إلى ذلك، ظهرت النزعات العسكرية في اليابان. وبالتالي، كان اندلاع الحرب العالمية الثانية نتيجة طبيعية لجملة من التوترات والأزمات المتعاقبة التي تراكمت عبر عقدين من الزمن.
وبالنظر إلى هذه الخلفية التاريخية، يمكننا أن ندرك أن الحرب العالمية الثانية لم تكن سوى انفجار لأزمة طويلة الأمد. وكان الوقود الأساسي لها عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية متشابكة.
2. متى وقعت الحرب العالمية الثانية؟
اندلعت الحرب العالمية الثانية رسميًا في الأول من سبتمبر عام 1939. قامت ألمانيا النازية بغزو بولندا. هذا الغزو دفع بريطانيا وفرنسا إلى إعلان الحرب على ألمانيا. غير أنّ بعض المؤرخين يرون أن شرارة الحرب قد بدأت فعلًا قبل ذلك، حيث تُعتبر الغزوات اليابانية في الصين (بدءًا من عام 1937) مؤشرًا قويًا على بداية النزاع. في كل الأحوال، انتهت الحرب عمليًا في عام 1945. جاء ذلك بعد ست سنوات من الدمار والقتال الضاري على جبهات متعددة حول العالم.
وبالتالي، يمكن تقسيم الحرب العالمية الثانية زمنيًا إلى مرحلتين رئيستين:
- المرحلة الأولى (1939-1942): كانت فيها دول المحور (ألمانيا، إيطاليا، اليابان) تحقق نجاحات عسكرية وتوسعية كبيرة.
- المرحلة الثانية (1942-1945): بدأت كفة الحرب تميل لصالح قوات الحلفاء. شملت هذه القوات بريطانيا، فرنسا الحرّة، والاتحاد السوفييتي. انضمت الولايات المتحدة الأمريكية بعد دخولها الحرب في ديسمبر 1941.
وبذلك، نستطيع القول إنّ الحرب العالمية الثانية امتدّت على مدى ست سنوات. كانت محملة بدروس وعِبر ما تزال أصداؤها حاضرة حتى يومنا هذا.
3. أين تتجلى أسباب الحرب العالمية الثانية؟
من اللافت للنظر أن أسباب الحرب العالمية الثانية كانت متعددة ومتداخلة، وقد نلخصها فيما يلي:
- اتفاقية فرساي وتداعياتها: كما سبق الذكر، دفعت المعاهدات القاسية المفروضة على ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى الألمان للامتعاض. سعى الألمان لاستعادة كرامتهم ومجدهم الإمبراطوري.
- صعود الأنظمة الشمولية: انبثق عن الضائقة الاقتصادية والاجتماعية صعود أنظمة سياسية ذات توجهات قومية متطرفة. من أمثلة ذلك النازية والفاشية. هذه الأنظمة سعت بوضوح إلى التوسع العسكري واستعادة الأمجاد الإمبراطورية.
- فشل عصبة الأمم: تأسست عصبة الأمم في أعقاب الحرب العالمية الأولى للحفاظ على السلام العالمي. كانت تهدف إلى منع نشوب الحروب. لكنها أخفقت في منع الاعتداءات. ومن أبرز هذه الاعتداءات، غزو اليابان للصين (مانشوكو عام 1931) واعتداء إيطاليا على إثيوبيا (1935-1936).
- التوترات العرقية والقومية: لعبت النزعة القومية والعرقية دورًا في تأجيج العداء بين الدول. شهدت سياسات عنصرية من النازيين ضد اليهود وعدد من الأقليات الأخرى.
- الكساد الاقتصادي العالمي: أسهمت الأزمة الاقتصادية في تفاقم الاضطرابات الداخلية في عدة دول. تسبب ذلك في دفعها للبحث عن موارد جديدة. استخدمت القوة العسكرية للوصول إلى أسواق خارجية.
جدول رقم 1: أبرز القوى المشاركة في الحرب العالمية الثانية
التحالف | القوى الرئيسية | السمات البارزة |
---|---|---|
دول المحور | ألمانيا النازية، إيطاليا الفاشية، اليابان الإمبريالية | سعت للتوسع والاستيلاء على أراضٍ خارج حدودها لتحقيق طموحاتها القومية والعسكرية |
دول الحلفاء | بريطانيا، فرنسا الحرّة (بعد احتلال فرنسا)، الاتحاد السوفييتي، الولايات المتحدة الأمريكية (بعد 1941)، الصين، ودول أخرى | تهدف إلى وقف التمدد العدواني لدول المحور والدفاع عن مبدأ السيادة الوطنية والتعاون الدولي |
وبناءً على هذه العوامل مجتمعة، يمكننا فهم الدوافع الأساسية التي أشعلت فتيل الحرب. أدى ذلك إلى نشوب صراع عالمي لم يشهد التاريخ له مثيلًا منذ الحرب العالمية الأولى.
4. نتائج الحرب العالمية الثانية
4.1 النتائج السياسية
- تغير خريطة العالم: أدت الحرب إلى إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية. فقدت دول المحور أراضيها التي احتلّتها. تم تقسيم ألمانيا إلى شرقية وغربية. أصبحت اليابان دولة محتلة من قبل الولايات المتحدة لفترة.
- صعود قوتين عظميين: تمخّضت الحرب عن بروز الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية كقطبين رئيسيين في النظام الدولي الجديد. كان ذلك إيذانًا ببداية حقبة الحرب الباردة.
- تأسيس الأمم المتحدة: أُسّست منظمة الأمم المتحدة عام 1945 للحفاظ على السلام. وهدفت إلى تعزيز التعاون الدولي. كان الهدف تفادي تكرار مآسي الحروب العالمية.
4.2 النتائج الاقتصادية
- الدمار الواسع: تضرّرت البنية التحتية والاقتصادات الأوروبية والآسيوية بشدة جراء الحرب.
- خطة مارشال: لمواجهة تداعيات الدمار في أوروبا، قدّمت الولايات المتحدة مساعدات اقتصادية سخية إلى الدول الأوروبية. تم ذلك عبر ما عُرف بخطة مارشال لتسريع عملية إعادة الإعمار. كما هدفت لتعزيز مكانتها الاقتصادية.
4.3 النتائج الاجتماعية
- خسائر بشرية مهولة: تُقدّر الخسائر البشرية بين عسكريين ومدنيين بأكثر من 50 مليون قتيل، فضلًا عن ملايين الجرحى والمعاقين.
- تغيّر القيم الاجتماعية: تصاعدت الدعوات إلى إنهاء الاستعمار والتمييز العنصري. برزت حركات تحررية في آسيا وإفريقيا. كانت هذه المناطق جزءًا من الإمبراطوريات الاستعمارية.
ومن الواضح أنَّ آثار الحرب العالمية الثانية امتدت لتشمل كل الجوانب تقريبًا. تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ الإنسانية.
5. أين أقيمت محاكمة مجرمي الحرب العالمية الثانية؟
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، وجدت الدول المنتصرة ضرورة ملحّة لمحاسبة القادة العسكريين والسياسيين في دول المحور. هؤلاء القادة ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. شملت الجرائم الإبادة الجماعية لليهود وغيرهم. وقد أُقيمت أشهر هذه المحاكمات في مدينة نورمبرغ بألمانيا، فيما عُرف بـمحاكمات نورمبرغ (1945-1946)، وتم خلالها محاكمة كبار المسؤولين النازيين. على الجانب الآخر، أُجريت محاكمات أخرى في طوكيو لمحاكمة القادة اليابانيين المسؤولين عن جرائم الحرب في آسيا.
جدول رقم 2: نماذج من المحاكمات الشهيرة لمجرمي الحرب العالمية الثانية
المحاكمة | المكان | المدة | الجهة المشرفة | المتهمون الرئيسيون |
---|---|---|---|---|
محاكمات نورمبرغ | نورمبرغ، ألمانيا | 1945-1946 | المحكمة العسكرية الدولية | كبار قادة الحزب النازي والجيش الألماني |
المحاكمة الدولية لطوكيو | طوكيو، اليابان | 1946-1948 | المحكمة العسكرية الدولية للشرق الأقصى | ضباط ومسؤولون حكوميون يابانيون رفيعو المستوى |
انطلاقًا من هذه المحاكمات، تبلورت مفاهيم جديدة في القانون الدولي الإنساني. من هذه المفاهيم فكرة الجرائم ضد الإنسانية. من المهم عدم إفلات مرتكبيها من العقاب.
6. مساهمة المغرب في الحرب العالمية الثانية

على الرغم من أنّ المغرب كان تحت الحماية الفرنسية منذ عام 1912، إلّا أن مساهمته في الحرب العالمية الثانية كانت بالغة الأهمية، وقد تجلّت في عدة أوجه:
- تقديم الموارد البشرية: شارك آلاف الجنود المغاربة في صفوف الجيش الفرنسي. انضموا أيضًا إلى قوات الحلفاء عمومًا. قاتلوا في جبهات مختلفة خاصة في شمال إفريقيا وأوروبا. وقد برزت شجاعة الجنود المغاربة في معارك حاسمة مثل معركة التحرير في فرنسا وإيطاليا.
- توفير المواد الأولية: استفاد الحلفاء من موقع المغرب الاستراتيجي وموارده الطبيعية، وخاصة الفوسفات والمنتجات الزراعية. كما تم استخدام الموانئ المغربية لنقل الإمدادات العسكرية والغذائية.
- العمليات العسكرية على الأرض المغربية: في نوفمبر 1942، نُفذت عمليات الإنزال الأمريكية والبريطانية في الدار البيضاء ووهران والجزائر (عملية الشعلة). كان الهدف هو إقامة جبهة في شمال إفريقيا ضد قوات المحور. ساهمت هذه العملية في تحرير شمال إفريقيا تدريجيًا من النفوذ الألماني والإيطالي.
- دور الملك محمد الخامس: على الرغم من وضع الحماية الفرنسية، سعى السلطان (الملك لاحقًا) محمد الخامس إلى اتخاذ مواقف وطنية. كانت هذه المواقف مؤيدة لاستقلال المغرب بعد الحرب. عزّز ذلك الروح الوطنية لدى المغاربة وحدّ من نفوذ السلطات الاستعمارية.
ومن ثمَّ، فإن مشاركة المغرب في هذه الحرب مهّدت الطريق لمرحلة جديدة من الوعي الوطني. هذه المشاركة وضعت أسسًا لانطلاقة حركة التحرر المغربي من الاستعمار.
7. كيف أثرت الحرب العالمية الثانية على الأوضاع السياسية داخل المغرب؟
تأثّرت الحياة السياسية في المغرب على مستويات عدّة:
- نمو الوعي الوطني: لعبت الحرب دورًا جوهريًا في تعزيز الشعور الوطني لدى المغاربة. بعدما قاتلوا جنبًا إلى جنب مع الفرنسيين والحلفاء، ازدادت المطالبة بالحقوق السياسية والاستقلال.
- تأسيس الأحزاب السياسية: ارتفعت وتيرة العمل السياسي والحزبي عقب الحرب. ظهرت أحزاب وجمعيات تنادي بالاستقلال مثل حزب الاستقلال. أدى هذا الضغط إلى أن تمنح فرنسا المغرب مزيدًا من الحريات.
- الدعم الأمريكي: ساهمت الولايات المتحدة بعد دخولها الحرب في 1941 في فتح آفاق جديدة للدول المستعمرة. تبنّت في سياستها مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها. هذا الأمر حفّز حركات التحرر.
- تحولات في المشهد الدولي: بعد الحرب، أصبح العالم ثنائي القطبية (أمريكا والاتحاد السوفييتي). هذا الأمر أتاح للمغرب والمستعمرات الأخرى استغلال التوترات بين القطبين لصالح قضاياهم التحررية.
وفي خضم هذه التغيّرات. شكلت نهاية الحرب العالمية الثانية نقطة تحوّل مهمة في تاريخ المغرب. أطلقت شرارة النضال السياسي لنيل الاستقلال.
8. الحرب العالمية الثانية: الأسباب والنتائج (ملخص تحليلي)
بما أنّ الحرب العالمية الثانية كانت نقطة تحول كبرى في تاريخ القرن العشرين، لا بد من التوقف عند أهم الأسباب والنتائج في صيغة ملخص تحليلي يربط بين العوامل المختلفة:
- الأسباب
- سياسية: رغبة الأنظمة الشمولية في توسيع نفوذها.
- اقتصادية: الكساد العالمي وأزمة الديون والتعويضات المفروضة على ألمانيا.
- اجتماعية: نمو شعور الإحباط الوطني، وظهور الأيديولوجيات المتطرفة.
- النتائج
- إعادة تشكيل العالم: إنشاء الأمم المتحدة وصعود قوتين عظميين (واشنطن وموسكو).
- خسائر بشرية واقتصادية هائلة: مقتل الملايين وتدمير بنى تحتية كبيرة.
- تمهيد لحركات التحرر والاستقلال: انطلاقة الدعوات لإنهاء الاستعمار.
ومن الواضح أن هذه الأحداث مجتمعة شكّلت الأساس الذي قامت عليه معالم النظام الدولي في مرحلة ما بعد 1945.
9. كيف أسهمت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية؟
بعد عام 1945، دخل العالم مرحلة جديدة اتسمت بعدد من التغيرات الجذرية، وانعكست هذه التغيرات على المستعمرات والدول الناشئة. ويمكن إيجاز إسهامات فترة ما بعد الحرب في النقاط التالية:
- انتشار حركات التحرر الوطني: ألهمت مبادئ الأمم المتحدة حول حق تقرير المصير الكثير من الدول والشعوب المستعمرة. وقد شمل ذلك المغرب. ازدادت مطالب الاستقلال في المغرب وأخذت تسلك مسارًا أكثر تنظيمًا.
- بروز الحرب الباردة: أصبحت المنافسة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي تؤثر على مصائر الدول المستعمرة. سعى كل طرف إلى كسب حلفاء. كما دعموا حركات تحرر معينة أو أنظمة بعينها.
- إعادة إعمار أوروبا واليابان: عززت الاستثمارات الأمريكية (مثل خطة مارشال) من عودة القوة الاقتصادية لأوروبا. أما اليابان، فقد خضعت لإصلاحات عميقة. هذه الإصلاحات أفرزت تحولها إلى قوة اقتصادية عالمية في العقود اللاحقة.
- تأسيس مؤسسات دولية جديدة: إلى جانب الأمم المتحدة، ظهرت منظمات دولية وإقليمية. سعت هذه المنظمات إلى معالجة القضايا العالمية وتجنب الحروب الكبرى. من بين تلك المنظمات: البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. لقد أثّر ذلك على شكل النظام الاقتصادي العالمي.
- تحول اجتماعي وثقافي: الحرب سلّطت الضوء على فكرة حقوق الإنسان. أكدت على ضرورة حمايتها دوليًا. هذا الأمر أسهم في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948). كما انعكست هذه التوجهات على المجتمعات التي عانت من الاستعمار، فتنامى الوعي بأهمية التحرر والحرية والمساواة.
وفي سياق هذه التحولات، وجد المغرب فرصة تاريخية. كباقي الدول الخاضعة للاستعمار، سعى المغرب للاستفادة من المعطيات الدولية الجديدة. يهدف هذا لتحقيق استقلاله وتأكيد سيادته الوطنية.
10. تقييم دور المغرب في ضوء التطورات العالمية
إنّ مشاركة المغرب في الحرب العالمية الثانية لم تكن مجرد تفصيل جانبي في مسار الصراع العسكري. بل كانت حلقة مهمة في تاريخ الحركة الوطنية المغربية. فبعد انتهاء الحرب، استفاد المغاربة من المتغيرات الدولية مثل صعود مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها. وانخرطوا بصورة أكثر فعالية في النضال السياسي والمطالبة بالاستقلال.
- من ناحية سياسية: بدأ المغرب يطرح قضيته أمام المحافل الدولية، مستعينًا بدعم عدد من القوى العظمى الجديدة مثل الولايات المتحدة.
- من ناحية اقتصادية: أدى الاحتكاك بالحلفاء إلى بروز الوعي بأهمية تطوير البنية الاقتصادية الوطنية التي كانت رهينة الاستعمار الفرنسي.
- من ناحية اجتماعية: تشكلت لدى المجتمع المغربي قناعة بضرورة الخروج من عباءة الحماية وتشكيل دولة ذات سيادة.
وهكذا تبلورت رؤية جديدة لمغرب حر يواكب التطورات العالمية المتسارعة، ويسعى للحصول على استقلاله النهائي الذي تحقق عام 1956.
11. الحرب العالمية الثانية من منظور عالمي: الدروس والعِبر
لا يمكن المرور على الحرب العالمية الثانية دون استخلاص بعض الدروس والعِبر التي قد تفيد في تفادي كوارث مستقبلية:
- أهمية التعاون الدولي: دلَّ فشل عصبة الأمم على حاجة العالم إلى مؤسسات دولية قوية. هذه المؤسسات تفرض احترام القانون الدولي. ومن ثمَّ نجحت نسبياً الأمم المتحدة.
- رفض الفكر العنصري والتوسعي: كانت النازية والفاشية مثالين صارخين على عواقب الأيديولوجيات المتطرفة والعنصرية.
- الدور المحوري للاقتصاد: أظهرت الأزمة الاقتصادية العالمية (الكساد العظيم) تأثير الانهيارات الاقتصادية. يمكن أن تؤدي هذه الانهيارات إلى صعود أنظمة ديكتاتورية. يمكن أن تؤدي أيضًا لاشتعال حروب واسعة النطاق.
- التعليم والتوعية: الحاجة إلى ترسيخ ثقافة السلام وحقوق الإنسان منذ المراحل التعليمية الأولى، لمنع تكرار المآسي.
وفي ضوء هذه الدروس، استطاع العالم أن يعيد بناء نفسه على أسس أكثر وعيًا وتسامحًا. الاضطرابات والصراعات لم تختفِ تمامًا بعد الحرب.
الخلاصة
لا شك أن الحرب العالمية الثانية تمثل محطة مفصلية في التاريخ الحديث. بل تكاد تشكّل نقطة انطلاق لحقبة جديدة من العلاقات الدولية. فقد أدت التوترات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تراكمت منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. اندلع صراع دموي استمر ست سنوات. شهد هذا الصراع أبشع أشكال الدمار. وبالرغم من فداحة الخسائر البشرية والمادية التي خلّفتها الحرب، إلا أنها حثّت العالم على إعادة التفكير في النظام الدولي. ظهرت الأمم المتحدة. وتبلورت مفاهيم جديدة في القانون الدولي الإنساني. ارتفعت مطالب حقوق الإنسان وتقرير المصير للشعوب المستعمرة.
ومن جهة أخرى، ساهم المغرب في هذا الصراع العالمي بالرغم من وقوعه تحت الحماية الفرنسية. قدم الجنود والموارد، وساهم موقعه الاستراتيجي في دعم عمليات الحلفاء. علاوة على ذلك، أثّر انخراط المغرب في الحرب على وعيه السياسي والوطني. عاد الجنود المغاربة من الجبهات بعزم أكبر على المطالبة بالاستقلال. ساعدتهم المتغيرات الدولية لصالحهم في بلورة حركات سياسية جديدة رفعت لواء التحرر.
عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، دخل العالم مرحلة جديدة من التقاطعات السياسية والثقافية والاقتصادية. كانت هذه مرحلة الحرب الباردة التي أفسحت المجال لحركات التحرر في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. كان من بين هذه الدول المغرب، الذي نال استقلاله عام 1956. تحقق الاستقلال بفضل نضال شعبي وسياسي استمر لعقود.
وفي الختام، يتبيّن لنا بوضوح أن الحرب العالمية الثانية لم تكن مجرد صراع دامٍ بين جيوش متناحرة. بل كانت فعلًا حدثًا تاريخيًا غيّر مسار القرنين العشرين والواحد والعشرين. وأعاد رسم ملامح العلاقات الدولية. كما ترك أثرًا ملموسًا في تاريخ المغرب الحديث. لقد شهد تحولًا جوهريًا في وعيه السياسي واندماجه في النظام العالمي الجديد.
مصطلاحات مهمة
- اتفاقية فرساي (1919): تُعدُّ من أبرز المعاهدات التي وضعت نهاية للحرب العالمية الأولى. كانت ذات طابع عقابي نحو ألمانيا. هذا الأمر مهّد لصعود النازية.
- الكساد الكبير (1929): أزمة اقتصادية عالمية بدأت في الولايات المتحدة وانتشرت إلى أوروبا والعالم، مما أفسح المجال لصعود الأنظمة الشمولية.
- محاكمات نورمبرغ: أول محاكمات دولية تم فيها تطبيق مبدأ محاسبة الأفراد عن جرائم ضد السلام وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
- خطة مارشال: برنامج اقتصادي ضخم قادته الولايات المتحدة لإعادة إعمار أوروبا، ما ساهم في تعزيز مكانتها كقوة عالمية عظمى.
- الحركة الوطنية المغربية: كانت جهدًا سياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا. سعت الحركة لإنهاء الاستعمار الفرنسي والإسباني عن المغرب. بلغت ذروتها بعد الحرب العالمية الثانية. استمرت حتى استقلال المغرب عام 1956.
وبهذا نكون قد قدمنا نظرة شاملة وتحليلية حول الحرب العالمية الثانية وأسبابها ونتائجها. بالإضافة إلى ذلك، سلطنا الضوء على مساهمة المغرب وتأثير الحرب على مسار تاريخه السياسي.